وجه آخر للمشروع القومى للإسكان

 

سوء التوزيع على مناطق مصر يشجع مزيد من الهجرة الى القاهرة

 

 انطلق المشروع القومى للاسكان بسرعته القصوى فى المدن الجديدة حول القاهرة.. اعلانات مبهرة كل صباح تبشر الشباب بالمسكن الملائم الذى توفرة شركات المقاولات بأسعار تنافسية وأقساط مريحة وأعداد كبيرة ومواصفات تداعب الخيال .. حدائق فسيحة وحمامات سباحة ومراكز خدمات وتسوق.. وتحول المشروع ودعايته الى دعوة مفتوحة لمزيد من الهجرة الداخلية من محافظات مصر المحرومة الى مزيد من الزحام والتكدس فى القاهرة وحولها.. فيبدو أن عدم التوازن فى تنفيذ المشروع وعدالة توزيعه على أقاليم مصر يسير به بعيدا عن أهدافه الحقيقية مرتكبا خطأ مزدوجا باحداثه مزيد من الاختناق فى العاصمة التى أصبح يتكدس فيها ثلث سكان مصر .. وحرمان مشروع تنمية الصعيد من العقول والأيدى القادرة على تنفيذه بعدما بلغت أعداد المهاجرين من القرى الى القاهرة أكثر ممن بقى مقيما فيها.

والصورة تبدو أكثر وضوحا فى أسيوط حيث يتجه الأهالى الى مزيد من الهجرة بحثا عن المسكن الملائم وفرص العمل بعيدا عن المعاناة والشعور بالعجز أمام مواصفات اعلانات المشروع القومى  والأسعار الفلكية للأراضى والوحدات السكنية التى تجاوزت أعلى المعدلات بسبب ندرتها .. أصبح هناك مناطق معروفة فى القاهرة يتركز حولها أهالى كل قرية بأسيوط .. فأبناء قرية بنى محمديات التابعة لمركز أبنوب يتركزون فى امبابة وطرة وعزبة النخل ، أما أبناء نجع عبدالرسول التابع لمركز أسيوط فيفضلون عزبة خير الله ، بينما أبناء الطوابية التابعة لمركز الفتح فيسيطرون على العتبة والموسكى ، بينما يفضل أبناء بنى عدى التابعة لمنفلوط مناطق بولاق وهكذا .. تتواصل الهجرة التى بدأت قبل سنوات بعيدة ويتدفق يوميا الى القاهرة المئات من الشباب مودعين قراهم فى هجرة نهائية تبدو مؤشراتها باقترانها بشراء الأراضى والبيوت حول تلك المناطق.. بل أن حمى شراء شقق القاهرة ومشروعاتها السكنية أصابت الجميع من مختلف الفئات وتجاوز السعى لامتلاك مسكن فى القاهرة أهدافه التقليدية سواء الهروب من الفقر أو الوجاهة الاجتماعية للأثرياء ودخلت بتوسع الطبقة المتوسطة التى تبحث عن فرص تعليم أفضل لأبنائها فى الجامعات الخاصة بعدما عجزت رءوس الأموال الخاصة عن انشاء احداها فى عاصمة الصعيد أملا فى كلية مرموقة يجد من خلالها أبناؤهم فرصة عمل بعيدا عن كليات الجامعة الحكومية التى يتكدس خريجوها دون عمل.

الصورة تبدو قاتمة رغم الواجهة المشرقة باعلانات المشروع القومى للإسكان.. ورغم خطورة استمرارها الا أن تصحيح المسار لا يحتاج الى معجزة ولا إمكانيات مادية بقدر ما يحتاج الى فكر يقترب من الناس ويتفهم احتياجاتهم.. بل أن خبراء التخطيط العمرانى يبشرون بهجرة مرتدة من القاهرة الى المحافظات اذا سارت الأمور بشكل صحيح.. ولكن كيف ؟

 تحاول الدكتورة مشيرة خطاب وزيرة السكان الوصول الى الاجابة والنغمة الصحيحة .. وطرحت فكرتها بعد الاستماع الى آراء الأهالى والخبراء.. قالت أن وزارتها ستعمل على اعداد خريطة لاعادة توزيع السكان فى كل محافظة فيما يمكن وصفه بأنه خطوة أولى على الطريق الصحيح لأن الواقع الحالى يؤكد أنه لا تنمية حقيقية فى ظل بقاء التوزيع السكانى على وضعه الحالى

ويقدم اللواء نبيل العزبى محافظ أسيوط حل عملى لاعادة توزيع السكان فى عاصمة الصعيد من خلال انشاء محور مرورى يخترق الهضبة الغربية التى تحاصر مدينة أسيوط وتحول دون توسعها غربا .. لتنتشر الزيادة السكانية بشكل مخطط على الهضبة التى تبلغ مساحتها أكثر من 30 ضعفا مساحة مدينة أسيوط الحالية.. المشروع مضمون الأرباح ويحقق عوائد سريعة تبلغ أضعاف تكلفته.

يقول العزبى أن المشروع القومى للاسكان غير غائب عن أسيوط كما ان هناك أيضا مشروع قرى الظهير الصحراوى وبناء 10 آلاف وحدة سكنية فى جميع القرى .. لكن تبدو كل هذه المشروعات مجرد مسكنات مطلوبة لمواجهة حدة أزمة الاسكان لكنها لا تغنى عن ضرورة توفير حل جذرى وتنموى بانشاء مجتمعات عمرانية جديدة متكاملة بمشروعاتها وخدماتها ومرافقها وهو ما يحققه مشروع الهضبة الغربية.. ورغم اكتمال الدراسات وموافقة رئيس الوزراء وتوقيع بروتوكول بين المحافظ ووزير الاستثمار الدكتور محمود محيى الدين على أن تتولى الوزارة تنفيذ المشروع مقابل حقها فى التصرف فى الفين فدان من الأراضى الواقعة عليه لكنه لم يطرح بعد للتنفيذ ولم يأخذ الأولوية التى يستحقها.. بينما كل يوم تأخير يترجم الى مزيد من الهجرة والمعاناة لأبناء أسيوط ولسكان القاهرة على حد سواء.. وانفاق مليارات الجنيهات لعلاج مشاكل القاهرة بينما الحل موجود فى أسيوط وغيرها من الأقاليم التى لازالت خدماتها قاصرة عن احتياجاتها وتطلعاتها.

 

ليست هناك تعليقات: