نـــهـر المياه المتدفق من الجنوب عبر ملايين السنين حفــر بعمق .. لا أعنى فى التراب ولكن فى لحم المصريين وتراثهم .. فالنيــــل .. أبعد من مجرد أرقام ـ مهما بلغت أهميتها ـ أو مليارات الأمتار من المياه العذبة .. عمق تأثيره ليس بحاجة الى برهان ونحن نعشق الاستقرار الى جواره تاركين أرض مصر الواسعة .. فى الحياة هنا وفى القيم والتراث والعادات والتقاليد وضع النيل بصمته على كل شىء .. ورسم الملامح المميزة للشخصية المصرية .
وفى موسم فيضان النيل قبل بناء السد العالى ، كانت المياه تغمر الأراضى عدة شهور كل عام ومن خلال الصورة التى رسمها شهود العيان الذين عاشوا ذلك الزمن لما كان يجرى من سخرة وإجبار للأهالى على العمل فى رفع الجسور ، ومن شكل غريب للحياة والزراعة ، وانتشار الأساطير المرعبة التى تعكس عدم الاستقرار والخوف من المجهول ، يمكن وصف ما أحدثه بناء السد العالى من تغيير جذرى فى المجتمع بأنه صنع ثورة .. اجتماعية وسياسية واقتصادية .. وان كانت له آثار جانبية تتطلب انجاز مزيد من المشروعات لتجاوزها.
الدميــرة
كان العامة يطلقون على الفيضان مسمى " الدميرة " ولعل الاسم يحمل معانى التدمير أو الدخول بغير استئذان ، طبقا للمعنى اللغوى لكلمة " دمر " الذى ورد بمختار الصحاح .
يروى الحاج عبدالعزيز عبدالواحد شيخ قرية العقب بأسيوط ( من مواليد سنة 1916 ) جانب من حياة القرية فى زمن الفيضان .. يقول أن الدميرة كانت تأتى فى شهر أغسطس ولكن بعد إنشاء الخزانات فى أسوان ونجع حمادى أصبح لمسئولى الرى القدرة على السيطرة على الفيضان نسبيا ، وتم تحديد يوم 21 من شهر سبتمبر موعدا لبدء الفيضان عندما تتزايد المياه خلف خزان أسوان وخوفا على الخزان .. كانت المياه عندها تغمر جميع الجزر وتقتحم البيوت ويصل ارتفاعها الى 3 أمتار فوق الأراضى الزراعية ، وتظل المياه تغطى الأرض لمدة شهرين أو ثلاثة ثم تنحسر المياه تاركة وراءها أطنان من الأسماك فوق الأراضى يجمعها الأهالى ويتركون " الدعمس " أى السمك الصغير ويشرعون فى " اللواق " أى تسوية الأرض بواسطة الواح الخشب وإعدادها لزراعة المحاصيل الشتوية مثل الفول والقمح والحلبة والبرسيم .. كانت الزراعة لا تحتاج الى رى حتى نضوج المحصول ، ذلك أن الأرض كانت تظل لينة لمدة شهرين على الأقل بعد انحسار المياه .. أما فى الصيف فكانت كل الأرض الزراعية تبور من الجبل الى البحر عدا مساحات بسيطة كانت تزرع صيفا لدى من يمتلكون ساقية أو شادوف أو يصنعون " حسى " وهو بئر عمقه حوالى مترين ويستخرج منها الماء بواسطة رافعة من الخشب مثبتا بها صفيحتين لنقل المياه وتدار يدويا
الســخرة
وعن السخرة يقول الحاج عبدالعزيز أن الأوامر كانت تأتى الى ضابط النقطة والخيالة والهجانة بإخلاء الأرض من الأهالى وإزالة "سبايت" البوص قبل موعد لفيضان ، وإذا زاد الفيضان صدرت التعليمات الى العمدة ومشايخ القرية والخفراء بتسخير الأهالى فى رفع جسور النيل خشية انهيارها ولحجز المياه بعيدا عن بيوت القرية .. وكان الخفراء يبدأون فى الصباح الباكر فى اصطياد الأهالى من الطرقات .. هذا عائد من المسجد وذاك فى طريقه الى العمل ويقتادوهم الى الجسور حيث يستمر العمل لأيام أو أسابيع تبعا للحالة .. ولم يكن يفلت من السخرة إلا أقارب العمدة أو الأعيان الذين فى مقدورهم استئجار من ينوب عنهم فى العمل .
وتتحول الدميرة الى كارثة فعلا حينما تأتى مبكرة عن موعدها ويفاجأ بها الأهالى ومحاصيلهم لازالت فى أماكنها فى الجرون المكشوفة ، فالمياه كانت تأتى على المحاصيل تماما .
يقول : شهدت بنفسى " تلبيش " الجسور منذ عام 1925 ، كان الأهالى يجدلون البوص وجريد النخيل لحماية الجسور من نحر المياه .. وكان الخفراء مفوضون بمصادرة كميات البوص التى يجدونها لحاجة العمل .
طقوس غريبة
كان الفيضان يعنى أجازه إجبارية للجميع .. يقول الشيخ إبراهيم عبدالوهاب أن البعض كان يمضى وقته فى غزل الصوف بالمغازل اليدوية الصغيرة وينسجون منه الملابس والمفروشات التى يحتاجونها .. ولكن فى ظروف البطالة رسخت عادات الثأر ، وكانت الجرائم قليلة نسبيا .. فلم تكن هناك أسلحة نارية .. السلاح الرئيسى فى معارك ذلك الزمن كانت الشومة والتى كان يبلغ طولها مترين ، أما السلاح الفتاك فكان " الخشت " وهو عبارة عن عمود من الخشب طوله 3 أمتار مزود بقاعدة من الحديد طولها متر كان يستخدم أساسا كأداة مساحية لوضع علامات الحدود بين الحقول عقب انحسار المياه .. ولكنه استخدم فى المعارك كسلاح رهيب !!
يضيف الشيخ إبراهيم أن وقت الفراغ كان طويلا ، لذلك لم يكن غريبا أن تستمر الجنازة 40 يوما لا يبارح خلالها أقارب المتوفى منزله .. وكان محظورا عليهم حلق شعرهم أو لحاهم أو التوجه الى بيوتهم .. والطامة الكبرى حينما تظهر أعراض الحمل على زوجة أحدهم أثناء فترة الحداد ويكتشف الأقارب أن الزوج خدعهم وتسلل الى فراش الزوجية من وراء ظهورهم !!
أما عزاء السيدات فكانت له طقوس غريبة ربما كانت تتناسب مع ذلك الزمن وما كان يعانيه الأهالى من أمية وانعدام الوعى والحياة وسط الظلام الدامس .. يقول الشيخ إبراهيم أن السيدات كانوا يتجمعن فى حلقة كبيرة ، وعلى دقات الطبول كانوا يأخذن فى لطم الخدود وقد صبغن وجوههن باللون الأزرق ووضعن الطمى على رؤوسهن وفوق ملابسهن السوداء تعبيرا عن الحزن العميق على المتوفى .
العفاريت
وتروى الحاجة منتهى احمد ماهر جانب آخر لأيام الصبا فى القرية أيام الدميرة وكيف كانت تمضى الحياة بداخل المنزل .. تقول أنه فى الصباح ينشغل الأهالى فى صيد السمك وفى تعليم الصبية السباحة ، وكانوا يأتون بثمار القرع العسلى ويتركونها حتى تجف ثم يستخدمونها كعوامات تربط فى وسط الأولاد لتساعدهم على تعلم السباحة فى مياه الترعة .
كانت المياه تأتى معكرة بالطمى وغير صالحة للشرب .. والأعيان كانوا يقطرون المياه باستخدام زير من الفخار الأحمر يضعون تحته إناء يتلقون فيه المياه المرشحة الصالحة للشرب .. أما العامة فكانوا يستخدمون نوى البلح والمشمش والشبة لترويق المياه بداخل الأوانى الفخارية ، وتبخر الأوانى لإخفاء رائحة المياه التى كانت تعلق بها آثار الطمى والنباتات .
وتحكى الحاجة منتهى عن الأساطير التى كانت سائدة فى ذلك الوقت .. تقول : كانت تنتشر الخرافات وحضرات الزار فى بيوت القرية .. وكان الخروج بعد الغروب بمثابة مغامرة خوفا من " الصاروخ " فمن كثرة حوادث الثأر لم يعد هناك طريق فى القرية إلا وشهد جريمة قتل ، وكانت المعتقدات أن شبح القتيل يظهر أثناء الليل فى نفس المكان الذى قتل فيه وهو يئن ويصرح مثلما حدث عند مقتله ، الى جانب الصاروخ كان هناك شبح آخر يرعب الأطفال ويمنعهم من اللعب بعيدا عن باب الدار .. كان هناك " المزيرة " وهى عفريتة تظهر على هيئة امرأة ضخمة تتشح بالسواد تخطف الأطفال فلا يعودون مرة أخرى الى أحضان أمهاتهم
يقول محمد عبدالعاطى : كنت أصغر اخوتى .. وكان الصبية يمارسون تسليتهم الوحيدة فى الليالى الباردة بالتجمع حول حلقات النار التى يشعلوها للتدفئة والانارة باستخدام كوالح الذرة الشامية ومخلفات الزراعة ويتطوع أحدنا بسرد حكاية عن العفاريت ويتمادى ليروى مشاهداته الشخصية فى هذا المجال .. ولا ينقضى المجلس حتى يكون الجميع قد تباروا فى سرد مواقفهم الشجاعة مع الأشباح ! من هذه الروايات حينما كان مأذون القرية عائدا من إحدى القرى المجاورة فى وقت متأخر من الليل ، ففى الطريق شاهد مجموعة من الأرانب البيضاء السمينة .. ونزل المأذون من فوق دابته وأسرع يجمع الأرانب فى حجر قفطانه وهو يمنى نفسه بعشاء دسم .. وعندما وصل الى منزله سعيدا فتح قفطانه ليجد أن كل ما فيه مجرد حجارة .. أو ذلك الفلاح الذى كان عائدا فى ظلام الليل حينما التقى بشخص غريب طلب منه معاونته فى البحث عن نقود سقطت منه ، وحينما هم الفلاح بالبحث على الأرض اكتشف أن الغريب له قدما عنزة !! فلاذ بالفرار وقد شاب شعره من الفزع .
حكايات الجدات
تابع بقوله .. كانت الجدة تجمع الأطفال حولها لتروى لهم الحكايات الطريفة لتهدئ بها من روعهم بعد ما سمعوه فى جلسة العفاريت ، ولكن مع اختفاء الدميرة .. اختفت من القرى العفاريت وحكايات الجدات وأشياء أخرى كثيرة بعضها خبيث وبعضها طيب .
والكبار أيضا .. كانت لهم مجالسهم وحكاياتهم الخاصة وطبعا على رأسها قصة أبوزيد الهلالى سلامة مع الجازية وفتح تونس ، ولم تكن السيرة الهلالية مجرد حكايات تروى لشغل وقت الفراغ الطويل .. بل تمثل تركيزا للحكمة فى قالب أبيات من النثر أو قصة بسيطة الى جانب حكايات أخرى كثيرة لمؤلفين مجهولين كان لها رواتها ، يتجمع حولهم الناس كل مساء لشغل أوقاف الفراغ والاستفادة من الدروس والعبر التى تقدمها لهم بأسلوب بسيط .. وتعبر هذه الحكايات عن القيم والعادات والتقاليد التى تسود المجتمع ، وخلاصة التجارب الإنسانية المتوارثة .
بائع الكلام
وشيخ قرية العقب الحاج عبدالعزيز عبدالواحد ( 80 سنة ) واحد ممن شهدوا الفيضان وحفظوا الروايات والأساطير التى ارتبطت به ، وما برح يرويها فى كل موقف لتوصيل وجهة نظرة للآخرين بأسلوب شيق وبسيط .. يقول أن رواياته حفظها من القصاصين الذين كانوا يطوفون القرى زمان لتسلية الأهالى وقت الدميرة ، ومن رواياته المأثورة قصة الرحال الذى ضاق به الرزق بين أهله فى وقت نضبت فيه مياه النيل وعانت البلاد من الجفاف فشد الرحال الى بلدة أخرى ، وهناك فتح دكانا لبيع الكلام !! ووصل خبره الى الملك فاستدعاه ليسأله عن حقيقة تجارته الغريبة .. فأخبره أنه يبيع الكلمة بألف دينار " وعجب البائع يبيع .. عجب الشارى يشترى " وجاراه الملك وطلب أن يشترى منه كلمة ، فباعه الرجل هذه الكلمة " يا ملك .. قبل إن تفعل شىء ادر عقبه " وما كان من الملك إلا أن وضع هذه الكلمة فى إطار من الذهب وعلقها فى ديوانه .. ومضت الأيام نسى الملك الإطار وحكاية بائع الكلام ولكنه غضب على حلاقه الخاص وكان داهية وأمر بطرده واستدعاء حلاق آخر ، ونظر الحلاق الجديد الى أدواته حينما استدعاه الملك فوجدها لا تناسب المقام ، وتوجه الى الحلاق السابق طالبا استعارة أدواته بحكم الزمالة ، ووجدها الداهية فرصة للانتقام من الملك والتخلص من منافسه الجديد فأجابه مبتسما بأنه سيعد له الأدوات ويأتيه بها حتى منزله فى الصباح الباكر ، وقبل الشروق كان الحلاق الداهية قد غمس أدواته فى السم ثم ذهب بها الى الحلاق الجديد الذى أخذها منه شاكرا لا يدرى بالموت المتربص فيها ، وحملها سعيدا وتوجه الى قصر الملك .. وبينما كان يستعد لممارسة عمله الجديد نظر الى الإطار الذهبى المعلق فى الديوان وقرأ عليه " قبل أن تفعل شىء ادر عقبه " وهنا تنبه ذهنه وعاد مسرعا وأحضر أدواته القديمة ، وحينما عاد كان لزاما عليه أن يصارح الملك الغاضب بهواجسه التى سببت تأخيره .. وكشف رجال الملك السم فى أدوات الحلاقة وقبضوا على الداهية وتأكد الملك أن بائع الكلام كان سببا فى إنقاذ حياته فطلب على الفور استدعائه ليشترى منه كلمة أخرى .. ولكن الرجل الرحال أخبر الملك أنه اعتزل بيع الكلام وأصبح يمارس مهنة أخرى أكثر غرابة وهى بيع الجماجم البشرية !! قال أنه يبيع جمجمة الرجل بألف دينار وجمجمة الشاب بخمسمائة دينار أما جمجمة الشيخ فانه يبيعها بحفنة تراب ، واستغرب الملك وتساءل عن السبب فأجابه الرحال أن الرجال أنواع ، رجل عقله راجح مثل جوهرة ، إذا حضر يقولون فلانا حضر ، واذا غاب تفتقده المجالس ، ورجل عقله نصف جوهرة .. فى سن الشباب يسبق الحماس التفكير .. ورجل عقله تراب حينما يتقدم به الكبر ويفقد الصواب أو يكون أحمق وقال الشاعر كل داء له ما يداويه إلا الحماقة أعيت من يداويها .. ومثل هذا الرجل حضوره المجالس مثل غيابه لا أحد يطلب رأيه أو يأخذ بكلامه .. وهكذا تمضى الرواية من موقف لآخر ومن حكمة لأخرى .
الدنيا تغيرت
تغيرت الدنيا كثيرا .. هكذا يبدأ الشيخ عبدالحميد عبدالرازق محمد ( من مواليد 1905 ـ مزارع بقرية المراونة بشمال أسيوط ) حديثه وهو يضرب مثلا بمدينة أسيوط وما طرأ عليها من تطور كبير بعد السيطرة الفيضان الهائج ، يقول : توجهت الى مدينة أسيوط من قريتى لأول مرة سيرا على الأقدام للعمل كخفير هناك ، وكانت منطقة كوم عباس الحالية هى كل أسيوط القديمة أما مدينة أسيوط الحالية فكانت عبارة عن بركة كبيرة من المياه وفى نفس الموقع المقامة عليه حاليا الأبراج السكنية والبنوك كانت قوارب الصيد تطوف البركة لاصطياد الأسماك والحيتان ، وظلت المنطقة على هذه الصورة حتى قام رودلف مقار وكان رأسمالى أسيوطى بردمها وأستخدم سيارات كبيرة فى نقل الأتربة إليها ثم حول السيارات بعد ذلك الى أتوبيسات لنقل الركاب كما أنشأ دارين للسينما ، وشاهدته والكرباج فى يده يضرب به العمال المقصرين .
أحمد عمر ـ أسيوط فى 18 سبتمبر 1996



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق