شاهد على العنف الدينى واللعب بالطائفية


التطرف الدينى لا هو وليد العصر ولا ظاهرة اسلامية أو شرق اوسطية لكنه ظاهرة انسانية تضيق الى حدود الخلل النفسى والاجتماعى أو تتسع مقترنة بالعنف لتصبح مصدراً لشرعية الهيمنة على المجتمعات سواء من داخل النخب الحاكمة او من خارجها من جانب حركات تسعى لاثبات الذات أو حتى لتغيير انظمة الحكم.
ظاهرة لا ترتبط بعقائد الافراد وحدها لكن يحكمها المناخ السياسى القائم ومدى ما وصل اليه من تطور ومشاركة سياسية ووفرة اقتصادية
ومصر ليست استثناء من هذه الحقيقة حيث شهدت فترة التسعينيات من القرن الماضى تناميا خطيرا لظاهرة العنف الدينى راح ضحيته المئات وسببت خسائر اقتصادية كبيرة خاصة فى قطاع السياحة حتى تمكنت الدولة من احتوائه بجهود امنية ما كان لها ان تنجح منفردة لولا تضافر عناصر اخرى تمثلت فى الرفض الشعبى الواسع الذى واجهته جماعات العنف ولجهود اصلاحية جرى اتخاذها فى المجالين الاقتصادى بضخ استثمارات سريعة لمدن الصعيد .. والسياسى بانفتاح اعلامى
انفجر العنف خلال تلك الفترة من ديروط شمال اسيوط فى منتصف سنة 1992 واستمر متنقلا بين المنيا شمالا وسوهاج جنوبا ومناطق أخرى متناثرة فى قنا والاقصر والقاهرة والجيزة وأخذ ايقاعه فى الافول تدريجيا حتى انتهى عام 1997 بسقوط معظم قيادات التنظيم الذى ارتكب تلك الاحداث وقواعده وكانت تعد بعشرات الآلاف من الافراد والمتعاطفين وتجفيف المنابع من خلال الرفض الشعبى والتضييق الأمنى والخطوات الاصلاحية.. وانتهت مسيرة التنظيم نهائيا فيما بعد باعلان ما سمى بالمراجعات الفقهية من داخل السجون والمعتقلات واعتذارها عما ارتكبته من عنف وتكفير للآخرين.
من الأخطاء الشائعة خلال تلك الفترة ربط العنف بما يسمى بالتوتر الطائفى .. ولم يكن هذا صحيحا .. كانت محاولة للتغطية على مسئولية النظام واخطاؤه وتجاهله للتنمية والاصلاح بل ومهادنته لجماعات التطرف الدينى التى انشأها فى البداية لضرب الشيوعيين ثم تركها لضرب الاخوان المسلمين ثم غض الطرف عن تجاوزاتها ربما من باب الكسل والفشل او بحكم ما اصبح عادة !
بل ان التوتر الطائفى اختُلق واستُخدم رسميا للتغطية السياسية قبل اغتيال الرئيس السادات حينما اعد تنظيم الجماعة الاسلامية فى اسيوط مسيرة للتنديد باستضافة شاه ايران.. كانت مسيرة سلمية لكنها كانت سليطة اللسان ! رفعت شعارات "شاه يستقبل شاه .. وخروف يستقبل خروف" كان اللواء زكى بدر وقتها وكيلا لمصلحة الأمن العام يقود العملية من الشارع فى ميدان جامع ناصر يتحدث مع وزير الداخلية من خلال اللاسلكى المثبت فى السيارة بينما الوزير وفقا لأقوال بدر للمحيطين به كان على اتصال هاتفى بقيادات أعلى ! وصدرت الاوامر بالضرب .. وتم تفريق المسيرة بقنابل الغاز ووقعت اصابات وقتل واحد من المتظاهرين.. وكان مجلس الشعب وقتها يضم عدد من المعارضين الاقوياء .. تقدموا بطلب احاطة لوزير الداخلية .. ووقف النبوى اسماعيل امام المجلس يبرر ضرب المتظاهرين بأنهم كانوا يعتدون على ممتلكات "الاخوة الاقباط"  وهذا الاعلان الرسمى لم يكن حقيقيا لكنه ساهم فى احتقان طائفى فى مناطق أخرى وكانت احداث الزاوية الحمراء بالقاهرة بعدها بايام قليلة.
لم يستهدف عنف التسعينيات الكنائس الا لاغتيال رجال الشرطة المكلفين بحراستها وسرقة اسلحتهم بل ان التنظيم الذى قاد اكبر موجة عنف شهدتها مصر فى تاريخها الحديث نفى اكثر من مرة وقتها استهدافه للأقباط رغم ان بعض الشخصيات التى استهدفها الاغتيال كانوا اقباطا ولكن بادعاءات موالاة الحكومة لا الديانة
وقعت خلال تلك الفترة سلسلة طويلة من اعمال العنف على يد هذا التنظيم استهدفت مصريين مسلمين من خلال عناصره الساعية لفرض الهيمنة على مجتمعهم المحلى خلف ستار تغيير المنكر باليد تؤكد انه عنف واجرام ضد المجتمع ككل وليس ضد فئة بعينها راح ضحيتها مئات القتلى والمصابين اغلبهم من المسلمين وصغار رجال الشرطة
من امثلة الحوادث التى شهدتها تلك الفترة .. مقتل بكر المدرس المسلم بقرية مسارة التابعة لمركز ديروط جرى اغتياله بعد مطاردته فى الصباح الباكر أثناء توجهه الى عمله وقفز الضحية الى داخل المدرسة لكن الجناة كانوا فى اعقابه وقتلوه بالسيوف داخل المدرسة.
بعدها راح طالب بمدينة ديروط ضحية خلاف بين اثنين من فصائل الجماعات الاسلامية المتطرفة وجرى اغتياله فى ملعب كرة القدم بالمدينة.
وفى مدينة اسيوط.. بلغ الصراع بين الفصيلين حد مهاجمة مسجد الشيخ شلنب بمنطقة الخضرية بحى غرب البلد الشعبى وتحطيمه على رؤوس افراد الفصيل الآخر اثناء صلاة العشاء.
لكن جرى توظيف ما يسمى بالتوتر الطائفى من جهات أخرى .. علمانيون علا صوتهم مطالبين بشطب الدين من حياتنا بادعاء ان الاديان هى مصدر بلاء التطرف والارهاب ! ورغم الموقف الوطنى للكنيسة الرسمية ورئيسها البابا شنودة واتسامه بالموضوعية الا ان قيادات مسيحية وجدت فى التباكى المستمر من الاضطهاد وسيلة قد تكون ناجعة للضغط على النظام لتمرير ما تراه حقوقاً منقوصة او امتيازات بالاستعانة بجماعات اقباط المهجر.. بل ان بعض اجهزة الاعلام المحلية والغربية .. دأبت على تأكيد هذا الاعتقاد "الاحتقان الطائفى" بابراز اى حادث حتى ولو كان مشاجرة فى شارع طالما ان طرفيه مختلفى الديانة مع تأكيد الخبر على ديانة كل طرف حتى لو لم يكن للدين اى دور فى الموضوع ! الامر الذى يمكن تفسيره على خلفيات مؤامرات التقسيم واعترافات الجنرال عاموس يدلين الرئيس السابق للمخابرات العسكرية الاسرائيلية الذى قال نصا "لقد تطور العمل فى مصر حسب الخطط المرسومة منذ عام 1979. فقد أحدثنا اختراقات سياسية وأمنية واقتصادية فى أكثر من موقع، ونجحنا فى تصعيد التوتر والاحتقان الطائفى والاجتماعى لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً ومنقسمة إلى أكثر من شطر, لتعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية، ولكى يعجز أى نظام يأتى بعد حسنى مبارك فى معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشى فى هذا البلد"
احداث الكشح
كانت جريدة الصنداى تيمز الانجليزية هى أول من كتب فى اواخر عام 1998عن الكشح وهى قرية صغيرة جنوب محافظة سوهاج شهدت بعد ذلك بشهور احداثا طائفية حقيقية .. افردت المحررة التى تبين انها جاءت خصيصا الى القرية بناء على استغاثة من خلال الفاكس من احد القيادات الكنسية المحلية اقوال بقطر ابواليمين وهو واحد من أهالى القرية واسرته والتى استطردوا خلالها فى وصف الاضطهاد والتعذيب الذى يتعرض له أقباط القرية على ايدى المسلمين وتعليقهم على الابواب واغتصاب نسائهم.. لم يكن هناك أى نشاط غير عادى أو حوادث معروفة فى القرية حتى نشرت الجريدة الانجليزية هذا التحقيق المطول والمرعب والذى اعقبه مسيرة تضامنية مع "اقباط مصر المضطهدين" فى سيدنى باستراليا .
فى القرية كان كل شيىء هادئا عدا غضب رجال كنيسة القرية من ضباط مركز الشرطة وقيادات مديرية الأمن لأنهم القوا القبض على بقطر واسرته لاتهامه فى جريمة قتل ورفضوا الافراج عنه رغم محاولات الوساطة التى قاموا بها حتى ان مدير أمن سوهاج رفض وساطة المطران شخصيا !
وقال مدير الأمن اللواء خليل مخلوف فى ذلك الوقت ان جريمة قتل وقعت بجوار منزل بقطر راح ضحيتها شاب مسيحى وانه تم القبض على بقطر الذى سبق اتهامه فى قضية اتجار فى الاسلحة للاشتباه لوجود مؤشرات على صلته بالجريمة .. لكن بعد تحقيقات استغرقت اياما تم التوصل الى الفاعل الحقيقى وهو بالمناسبة مسيحيا ايضا وتم اخلاء سبيل بقطر.. والحكاية ان مجموعة الشباب كانوا يلعبون القمار ويحتسون الخمر حينما انفعل احدهم لخسارته وأطلق رصاصة اصابت القتيل فتركوه وسط اوراق اللعب والزجاجات الفارغة وفروا هاربين ليتم اكتشاف الجريمة فى الصباح.. قال مدير الأمن ان بقطر يؤدى خدمات خاصة للمطران ! لكن الملاحظ كان الغياب الكامل للقيادات الشعبية الرسمية عن القرية على نحو جعل من الكنيسة هى الملاذ الوحيد أمام الأهالى ليس فى الشئون الدينية فقط بل فى شئون الدنيا ايضا والتوسط لانهاء الحاجات فى دواوين الحكومة.
ذهبت الى بقطر ابواليمين والتقيت به وبزوجته وابنته .. اتهم ضابط المباحث بتعذيبه وتعليقه على باب مكتبه فى مركز الشرطة .. سألته عن علاقته بالمسلمين فى القرية فقال انها على ما يرام .. وسألته عن اقواله فى الصحيفة الانجليزية عن اضطهاد وتعذيب المسلمين للأقباط فأجابنى مؤكدا .. أنا مسيحى والضابط مسلم ! طيب وحكاية اغتصاب النساء .. فنادى على زوجته التى شرحت امامنا كيف ان الضابط وضع يده على صدرها مهددا باغتصابها مالم يعترف بقطر بجريمة لم يرتكبها !
رواية بقطر تكشف عن تجاوز خطير فى حقه هو واسرته من جانب ضابط المباحث لكننا نسمع الكثير من الحكايات المماثلة تقع فى مراكز الشرطة وضحاياها مواطنين ابرياء دون تمييز بين مسلم ومسيحى.. لكن مديرية الأمن كذبت رواية بقطر ولم تعلن عن اجراء تحقيق بشأنها أو محاسبة الضابط.. وفى نفس الوقت لم تتخذ الاجراء القانونى مع الكاهن الذى بعث بالفاكس التحريضى الى جماعته فى استراليا.
ونشرت صحفنا بدلا من الحقيقة قصائد التمجيد فى متانة الوحدة الوطنية والنسيج الواحد ! لكن ما زاد الطين بلة اعلان وفد من جمعية الكتاب والادباء تنظيم مسيرة فى الكشح برعاية رسمية تضم رموز من الأدباء والفنانين لتكذيب الصحيفة الانجليزية والتأكيد على متانة الوحدة الوطنية .. كانت الفكرة جميلة وبراقة لكن الخطأ فى تنفيذها اعطى نتائج عكس المرجوة وبدلا من أن تسهم فى وأد الفتنة فانها زادت النار اشتعالا .. ففى اليوم التالى حضرت الشخصيات المشاركة دون تنسيق مع المطران الغاضب الذى اصدر تعليماته لأقباط الكشح بعدم المشاركة فى المسيرة ولرهبان كنائس القرية باغلاق ابوابها فى وجوه الضيوف.. وجرى التعتيم على الخبر بينما لجأ المسئول عن التنسيق الى حل عبقرى من وجهة نظره دون اعتبار للعواقب .. استعان بفلاحين بسطاء من مسلمى القرى المجاورة للمشاركة فى المسيرة التى تمت دعوة كافة أجهزة الاعلام لتغطيتها .. حشدوا المسلمين فى المسيرة للتعتيم على مقاطعة اقباط الكشح لها تنفيذا لتعليمات المطران.. وهكذا كأنهم تحالفوا مع المطران ليوجدوا الفتنة ثم نشروها فى القرى المجاورة ضد اقباط الكشح ! لكن الأخطر كان عند وصول المسيرة المترنمة بشعار " الدين لله والوطن للجميع  .. والوحدة الوطنية هيه الحصن المنيع " حتى ابواب كنيسة الملاك ميخائيل كبرى الكنائس الأربعة بالقرية المغلقة فى وجه الضيوف وهى خطيئة فى العرف الشعبى الذى وجد فى تلك اللحظة دعما سلطويا وكاد الموقف يخرج عن السيطرة لولا تغلب العقل وفتح الرهبان باب الكنيسة ليدخل الضيوف فقط .. هكذا قرر الرهبان.
تكدسنا فى الداخل نحو 40 فردا فى غرفة ضيقة على يسار البوابة وشرح الرهبان المشكلة
قال القس جبرائيل عبدالمسيح راعى الكنيسة أن متانه الروابط مع مسلمى القرية والقرى المجاورة لا تحتاج الى تأكيد أو نقاش ، وأن ماحدث هو وقوع تجاوزات من ثلاثة من ضباط مركز شرطة دار السلام أساءوا فى المقام الأول الى جهاز الشرطة بوصفها هيئة وطنية وارتكبوا تجاوزات غير قانونية ضد بعض المشتبه فيهم وخاصة أسرة أبواليمين التى دارت حوله الاتهامات فى البداية فتم القبض عليه واحتجاز اسرته فى مركز الشرطة .. اضاف انهم لجأوا الى الكنيسة يطلبون المساندة من القساوسة للافراج  عنهم وفى ظل الغياب الكامل لعضو مجلس  الشعب عن الدائرة وعدم فعالية القيادات الشعبية الرسمية وتخليها عن مسئوليتها .. قال ان القساوسة اضطروا للقيام بدور القيادات الغائبة لرفع صوت الأهالى الى المسئولين وانهم لجأوا الى الأزهر الشريف تأكيدا على عمق  الروابط بين المسلمين والأقباط غير أن كل المحاولات لم تجد نفعا فى اقناع الضباط الثلاثة بمركز دار السلام بتغيير أسلوب تعاملهم مع المشتبه فيهم وظلت المشكلة قائمة لعدة أيام مما اوجد المناخ لتفسيرها على اساس طائفى !
وقال الدكتور اسماعيل حلمى رئيس جمعية الأدباء والكتاب أنه حضر من واقع احساس بالمسئولية الاجتماعية لبث رسالة الى العالم تفضح دعاوى الباطل وأعداء الوطن  وأن ما نشر فى الصحيفة الانجليزية لم يحدث اعتباطا بل لتنفيذ مخطط صهيونى يستخدم أذنابا مؤجرة .. أدان الدكتور حلمى وقوع  أى تجاوزات ضد أى أفراد فى المجتمع
وخرجنا بعد دقائق من حوار محموم وغادرنا الكشح تاركين وراءنا فتنة متيقظة.. لتنفجر فى صورة أحداث عنف بعد ذلك بشهور قليلة.
شركاء الوطن

ان اقباط مصر كمسلميها لديهم مشاكل مع السلطة الحاكمة لكن لبعض الاصوات القبطية رؤيتها بخصوصية المشاكل القبطية .. رؤية تنطق طائفية لأنها تعكس انسلاخ فريق من المجتمع عن القضايا المشتركة ومطالبته بمعاملة متميزة منقطعة الصلة بقضايا شركاء الوطن ومشاكلهم.. ابرزها نسبة تقلد الاقباط للمناصب الرسمية وعضوية المجالس النيابية .. وهى قضية فى جوهرها لا ينفرد بها الاقباط فقط ولكنها تمس الشعب المصرى الذى سجلت ارقام مشاركته الحقيقية فى الانتخابات ارقاما غاية فى التدنى لا تتجاوز فى معظمها نسبة 10%  ومن يتولى المناصب ليسوا الاقباط ولا المسلمين ولكن أهل الثقة
حتى ان مسألة تنظيم بناء الكنائس التى تأتى فى صدر المطالب التى يرفعها المتصدون للحديث عن هموم الاقباط.. جوهرها التضييق على الكنائس.. بينما الواقع يكشف ان التضييق يشمل الكنيسة والمسجد .. فالمساجد تخضع لرقابة أمنية " لصيقة " لا تفتح الا فى اوقات الصلاة ولا يعين القائمون عليها الا بتصديقات امنية والتزام رجال الدين فوق المنابر بتوجيهات وزارة الاوقاف ناهيك عن وجود نحو 2500 مسجد فى مصر مغلقاً لأنها أصبحت آيلة للسقوط ولا توفر الحكومة الموارد لاعادة بنائها رغم سيطرتها على أموال وموارد الاوقاف الاسلامية وهى بالمليارات وفساد التصرف فيها يزكم الانوف
 
المشاكل قائمة ولكن من الخطأ والغرض رفعها على اسس طائفية .. انها تخص ابناء وطن واحد تجاه حكومته ولابد من مناقشتها والمطالبة بها من هذا المنطلق على قاعدة وطنية وليست طائفية.. وخارج دور العبادة .. فحماقة رجل دين واحد كفيلة باشعال حرب

ليست هناك تعليقات: