الصعايدة يتهمون النظام السابق بالخيانة العظمى


مشروعاته وهمية "للشو الاعلامى" وتجاهل التنمية الحقيقية

لا يوجد دولة فى العالم يعيش ربع سكانها فى عاصمتها سوى مصر .. لكن مازال ممكنا ان نشهد زمنا تعود فيه شوارع القاهرة الى هدوئها القديم خالية من جحيم التكدس والضوضاء.. قال الشاعر عمرو التميمى "ولعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها لكن أحلام الرجال تضيق" والاحلام ضاقت برجال الحكم طوال عقود حتى باتت قضية التنمية كأنها شعر وأمانى رغم انها حقائق علمية أكدها خبراء الاقتصاد والتخطيط العمرانى

يكشف الدكتور محمد عبدالباقى ابراهيم رئيس مركز الدراسات المعمارية عن رصد موجات من الهجرة المرتدة من القاهرة الى محافظة الاسماعيلية قبل سنوات نتيجة جهود تنموية جرت هناك ويتوقع موجات مثيلة تعود الى مختلف مناطق مصر حال القيام بتوزيع عادل لمراكز التنمية .. ويتوقع فى دراسته حول التنمية السلبية للقرية المصرية ان تتحول القرية من مراكز طاردة للسكان إلى مراكز جذب تستوعب الزيادة السكانية الريفية والحضرية على ان تكون التنمية الريفية متكاملة ومستمرة  مع خطط وأليات التنمية الإجتماعية والإقتصادية من خلال مشاريع قومية تهدف إلى أن تتحقق فى القرية نفس نوعية الحياة فى المدينة من ناحية مستوى الخدمات وفرص العمل المستقرة بما يقلل من الهجرة الريفية و يخفف العبء على المدن إقتصادياً وإجتماعياً وأمنياً ويعمق الانتماء والممارسة الديمقراطية وتحمل المواطنين مسئولية التنمية فى قريتهم ليخفف الضغوط على الموارد الحكومية المحدودة
لكن ما جرى على ارض الواقع كان شيىء آخر ضاقت فيه أحلام الرجال.. بل اختلطت الأحلام بالفساد وألاعيب سياسة .. والنتيجة موجات من الهجرة المتواصلة الى القاهرة حتى ان كثير من قرى الصعيد من بقى فيها اقل ممن هجروها بحثا عن لقمة العيش وتلمس شيىء من الحياة
كانت اولويات البقاء وجنى المنافع هى شاغل الحكومة عن أمانة المسئولية والواجب الوطنى على حد قول عمرو موسى الامين العام للجامعة العربية خلال مؤتمره الانتخابى الذى عقده بأسيوط .. عبر موسى عن صدمته لما رآه من أحوال متردية فى الصعيد وتكلم عن ضرورة التنمية لكن لازال الحديث والمطالب والآمال دون مستوى خطة استراتيجية لتنمية الصعيد ضمن تنمية شاملة لمختلف أقاليم مصر
فى السابق تحولت "تنمية الصعيد" إلى "هوجة" انتخابية لتمرير مشروع التوريث عصفت ببضع مليارات ثمينة من موارد الدولة وآمال نازفة من شرايين العمر .. بل ان البعض يرى فى تجاهل تنفيذ مشروعات التنمية الحقيقية خيانة عظمى .. فمشروع تنمية القرى الأكثر فقرا .. تجاهل محاسبة من أفقرها .. بينما عكست فكرته اسلوب قاصر للتنمية بالقطعة يفتقر للتخطيط ثم جرى اختيار قرى المشروع للغرابة من أفضلها حالا وليس افقرها واذا عرف السبب بطل العجب .. والسبب كان اختيار مواقع تعطى نتائج سريعة بأقل الجهد لتكون جاهزة للشو الاعلامى عندما يتفقدها جمال مبارك ويتصور الى جوارها .. فعلها فى قرية زرابى أبوتيج رغم احتجاجات بنت القرية استاذة الاعلام الدكتورة عواطف عبدالرحمن بل اطلقوا اسم الوريث على ميدان القرية .. ولم تمهله ثورة الشعب ان يكررها فى قريتين أكثر ثراء بمركز القوصية هما مير والمنشاة الكبرى.. أما الطريق الذى يربط الصعيد بساحل البحر الأحمر والذى كان حلما لأهالى أسيوط فقد جرى تنفيذه بتوجيهات رئاسية رغما عن رأى الخبراء على مبدأ "ودنك منين ياجحا" اختاروا له أن يتجه الى سفاجا شرقا عبر سوهاج جنوبا ! بطول 380 كيلومترا بينما المدينتين أسيوط والغردقة تقعان على خط عرض واحد بينهما مسافة لا تزيد عن 265 كيلومتر ! وفندق سياحى اقترحوا إقامته على منهج "يعمر ساقية ويخرب طاحون" طلبوا لتنفيذه هدم معهد الصحة واستراحة المحافظة ! ونجا المبنيان ثم اتوا بفندق عائم كمشروع لتنمية الصعيد ! أما "حزمة حوافز الاستثمار" فقالوا أنها للكبار فقط.. لمن تزيد استثماراته عن 15 مليون جنيه ينال خصما من ضرائبه بواقع 15 الف جنيه عن كل فرصة عمل يوفرها وفقا لنظرية مبارك أنه يعطى للأغنياء لينفقوا على الفقراء ! ووصف صعيدى الذين صنعوها بأنهم "خواجات" وطالبهم بالنزول إلى أرض الواقع.. بينما مشروعات تنموية حقيقية مثل محور الهضبة الغربية الذى يضيف الى مدينة أسيوط الحالية اضعاف مساحتها ويقدم الحل لأزمة الاسكان الطاحنة لازال متعثرا يمضى مترنحا بين مكاتب المسئولين منذ سنوات وكأنهم يبحثون له عن ثغرة تعطل تنفيذه! المشروع يتكلف 300 مليون جنيه ويعطى عائدا سريعا من حصيلة بيع أراضى الدولة لا يقل عن 10 مليارات جنيه وفقا لدراسات المهندس فرغلى شعلان مدير التخطيط بمحافظة أسيوط.. يقول انه تم الانتهاء من جميع الدراسات والحصول على كافة الموافقات ولازال ملف المشروع معطلا فى مكتب اللواء عمر الشوادفى رئيس جهاز استخدامات أراضى الدولة التابع لرئاسة مجلس الوزراء ينتظر قرارا سياديا للبدء فى التنفيذ
التنمية الحقيقية لا تتجاهل الظهير الصحراوى ومشروع استصلاح نحو 100 الف فدان بوادى الاسيوطى ووادى الابراهيمى لازالت حبرا على ورق منذ ربع قرن .. ولا ربط شرق أسيوط بغربها من خلال كبارى على النيل يقطع عزلتها فلا كبارى على النيل الا فى مدينة أسيوط وحدها بينما المعديات هى وسيلة الربط الوحيدة على امتداد نحو 120 كيلومتر طول المحافظة بل ان مناطق بأسيوط لازالت معزولة بين النهر والجبل مثل قرية المعابدة بأبنوب حيث يقطعون أكثر من 100 كيلومتر للوصول الى قرية الحوطا الشرقية بديروط التى لا تبعد عنها سوى 8 كيلومترات على الجانب الآخر من الجبل!
وبينما أهالى ابنوب والمراكز الشمالية يطالبون بكوبرى على النيل .. تعطل مشروع كوبرى ابوتيج فى الجنوب .. المشروع بدأ عام 1982 بوعد "العطيفى" وزير الثقافة فى ذلك الوقت حينما كان مرشحا لمجلس الشعب ناخبيه بإقامة كوبرى على النيل فى المنطقة .. وجاء عمال وقاموا بدق ماسورة أيذانا ببدء العمل فى الكوبرى ! ثم انتهت الانتخابات وتوقف العمل وبقيت الماسورة التى يطلق عليها الناس حتى الآن "ماسورة العطيفى" وكأنها نصب تذكارى للوعود الانتخابية.. وتجدد الأمل فى انتخابات 2005 اثناء اجتماع الرئيس السابق "فيديو كونفرنس" مع مرشحى الحزب الوطنى .. وطالب أبوعقرب بكوبرى لأبوتيج ووافق مبارك وتم وضع حجر الأساس لكن المشروع جرى الغاؤه بدعوى ان المسافة بين ابوتيج واسيوط أقل بكيلومترين عن المسافة المقررة بين الكوبرى والآخر على النيل وقدرها 30 كيلومتر!
يرى الدكتور محمد إبراهيم عبدالقادر رئيس جامعة أسيوط الاسبق أن الطرق تمثل أحد عوامل قوة الدولة .. وأن الكثير من المناطق الشرقية عكس القرى الغربية حيث يمر القطار والطريق الزراعى .. لازالت تعيش فى عزلة حتى اليوم .. عزلة تؤثر سلبا على المستوى المعيشى والحضارى .. وأنه من المفيد إقامة كوبرى على النيل فى كل مركز ادارى .. قائلا أنه إذا اقتصر عائد هذه الشبكة من الكبارى المطلوب انشائها على النواحى الاجتماعية والثقافية فهى تكفى .. لكن الواقع أن هناك عائد اقتصادى مباشر يكفى لتحقيق التوازن مع الكلفة المالية لهذا المطلب .. فالمناطق الشرقية غنية بالمحاجر والثروات المعدنية والمواقع الأثرية التى يمكن فتحها أمام حركة السياحة فى حالة توافر الطرق لتدر دخل للدولة وعائد للمنطقة يساهم فى رفع المستوى المتدنى للمعيشة
بل ان التنمية كان يمكن ان تأخذ بعدا خارجيا يمتد الى العمق الافريقى على خطى الفراعنة العظماء الذين عمروا درب الابعين الذى يمتد من أسيوط شمالا وحتى الفاشر الى الجنوب فى السودان .. وينطلق الى شرق آسيا عبر موانى البحر الأحمر .. وجاء الأفارقة قبل 6 اعوام يطلبون التوأمة والتآخى مع عاصمة الصعيد وجرى توقيع اتفاقية مع محافظة توجان بجمهورية بوركينا فاسو .. فى خطوة نحو العمق الأفريقى .. والقواسم المشتركة من الفقر حتى الأساطير .. السامو اتى يحملها محافظ توجان عبارة عن تميمتين مصنوعتان من القماش والخشب والخيوط الملونة توضعان متقابلتين حتى تسكنهما الأرواح لتحمى صاحبهما.. هل يمكن أن يثمر التعاون بين الفقراء تنمية حقيقية ؟ أحدهم قال ساخراً "فقير اتجوز فقيرة .. خلفوا شحات صغير" لكن محافظ توجان كان يحمل الأمل ..قال أن خطوة الانسان نحو اخيه الانسان تولد الصداقة وطرح بعض المجالات التى يمكن أن يبدأ بها التعاون بين البلدين مثل تنقية المياه والتعليم والاتصالات والبنية التحتية وتربية الماشية كبداية للتعاون من أجل مكافحة الفقر ثم تعطل كغيره..لكن الثورة المصرية أحيت الأمل من جديد فى تنمية حقيقية للصعيد.. ولكل مصر

ليست هناك تعليقات: