كرامة ساخنة .. فى جسد يتعافى






 18 ابريل .. يوم أسيوط  الوطنى


ارتبط اسم أسيوط بالكرامة الوطنية على مدى التاريخ.. كانت أسيوط رمانة الميزان للأمن القومى المصرى بحكم موقعها المتميز فى المنتصف على طريق قوافل الحج وعند بداية درب الأربعين الذى يربط مصر بالسودان والعمق الأفريقى
أسيوط لها تاريخ حافل بالأحداث .. جاء عليها وقت فى زمن الفراعنة كانت العاصمة .. ساهم أبناءها فى صياغة تاريخ مصر والتراث الانسانى.. شهدت جانب كبير وهام من رحلة العائلة المقدسة وأقام السيد المسيح والسيدة مريم العذراء على أرض أسيوط فترة من الوقت يلتمسان الأمان..
قبل نحو 600 عام كانت الصناعة تزدهر فى أسيوط .. كانت بها أرقى المنسوجات فى العالم تصدرها الى بلاد فارس.
فى عصر محمد على كانت قرية بنى عدى هى مركز تجنيد وتدريب أول جيش مصرى وكانت قرية النخيلة تضم مركز تدريب الضباط ، ومن أسيوط انطلق الجيش المصرى الذى فتح الدرعية فى الجزيرة العربية بقيادة ابراهيم باشا ابن محمد على .. كان يتكون من 3 فيالق من الصعايدة.. بل ان مهندس العمليات الحربية للجيش المصرى الذى بلغ القرم وأبواب أوربا وحقق انتصارات كبيرة على الجيش الروسى كان من أسيوط هو الأميرالاى حماد عبدالعاطى باشا ابن قرية دير الجنادلة.
لكن قبل هذا ماكان يمكن لمحمد على أن يكون واليا على مصر لولا السيد عمر مكرم ابن أسيوط .. عمر مكرم القومى الأول .. نقيب الأشراف .. قاد الشعب المصرى لحصار القلعة سنة 1805 بعد انسحاب الفرنسيين وأجبر الوالى خورشيد باشا على التنازل عن العرش وقاد العلماء والوجهاء لاقناع محمد على بتولى عرش مصر وكان له الفضل فى استقلال مصر عن الدولة العثمانية .. ولكن لم تمض 4 سنوات حتى انقلب محمد على على نقيب الأشراف .. وأمر بعزله ونفيه لأن عمر مكرم اختار أن يكون معارضا وأن يقف الى جانب الشعب ضد الضرائب الباهظة التى فرضها الوالى.
عمر مكرم كان له دور كبير فى الكفاح ضد الحملة الفرنسية.. وما تحتفل به أسيوط حاليا هو ذكرى التضحية التى قدمها الأجداد فى مواجهة الغزو الفرنسى .. ما حدث فى قرية بنى عدى يوم 18 ابريل سنة 1799 لم يكن حربا بل كان مجزرة بكل المقاييس لأن الجيش الفرنسى استخدام المدافع الثقيلة فى أبادة الأهالى الذين كانوا محتشدين بأسلحتهم البدائية وكان القتلى من جانب الأهالى حوالى 3 آلاف قتيل بينما خسائر الفرنسيين لم تتجاوز 8 قتلى.
الحقيقة ان الكرامة تمثل قيمة محورية للناس .. ربما الطبيعة الصخرية الحادة والقاسية للمنطقة والجبل المحيط بها من الشرق والغرب ساهمت فى تشكيل الشخصية الأسيوطية بهذه الحدة والوضوح والاعتزاز بالنفس
الكرامة وقوة تأثيرها على الفكر والسلوك تبدو واضحة فى شخصية الزعيم الراحل جمال عبدالناصر ابن قرية بنى مر وصاحب العبارة الشهيرة ارفع رأسك يا أخى فقد مضى عهد الاستبداد.. وفى مغارة بجبل الشريف بمنقباد المتاخمة لمدينة أسيوط تعرف عبدالناصر على باقى زملاؤه فى تنظيم الضباط الأحرار.. لكن الغريب ان عبدالناصر وهو فى أوج سلطته اصطدم باتنين من البلديات فى معركتين من أهم المعارك الداخلية اللى خاضها.. الأول الشيخ سيد قطب ابن قرية موشا التابعة لمركز أسيوط وصاحب كتاب معالم فى الطريق الذى اصبح دستور لجماعات الاسلام السياسى لسنوات طويلة .. انتهى صدامه مع ناصر بالقبض على الشيخ سيد ومحاكمته بتهمة التآمر على قلب نظام الحكم وحكم عليه بالاعدام شنقا قال كلماتنا عرائس من شمع اذا متنا فى سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة .. وتم تنفيذ الحكم فى عام 1966 ، أما المعركة الثانية فكانت مع المستشار ممتاز نصار ابن مركز البدارى وكان رئيسا لنادى القضاه يطالب باستقلال القضاء ويرفض انضمام القضاه الى الاتحاد الاشتراكى وانتهت المعركة بعزل ممتاز نصار وما عرف باسم مذبحة القضاه سنة 1969.
لكن أول من رفع شعار كرامة الشعب المصرى كان اسيوطى آخر هو محمد محمود باشا ابن مدينة ساحل سليم مؤسس حزب الأحرار الدستوريين ورئيس وزراء مصر خلال السنوات من سنة 1928 الى سنة 1931 ثلاث سنوات عطل فيها بلدياتنا الدستور وحل البرلمان .. كان نزيها .. وديكتاتورا .. لكن له وجهة نظر .. قال بعدها : جئت فى فترة كان الذى يريد أن يسب شخصا يقول له يا صعيدى فأردت أن أريهم اننى صعيدى لكننى أشرف من اولئك الشراكسة.. كان دائما يتفاخر "أنا ابن من عرض عليه الملك فأبى" ويقول ان أبوه محمود سليمان باشا وكان عضو بمجلس شورى القوانين عرض عليه أن يكون سلطان على مصر بعد وفاة السلطان حسين كامل لكنه رفض لأن الذى عرض عليه المنصب كان الانجليز وليس الشعب المصرى.. كرامة محمود سليمان باشا ابن ساحل سليم أبت أن يكون سلطان مصر بمساندة قوى أجنبية.
قدمت اسيوط دماء الالاف من ابنائها فى معارك الكرامة مثل البكباشى أو المقدم محمد كامل مأمور بندر اسيوط الذى فتح السلاحليك للأهالى للتصدى للانجليز فى ثورة 1919 فاعدم رميا بالرصاص مع 92 من أبناء أسيوط ، وضابط المدفعية يسرى راغب اول شهيد مصرى فى حرب فلسطين سنة 1948 والشهيد محمد على مكارم ابن القوصية الذى قاد فصيلته للتصدى للقوات الاسرائيلية عند مدينة العريش فى حرب 1956 حتى استشهد مع جميع افراد فصيلته بعد نفاذ الذخيرة منهم
ومن أسيوط خرج العشرات من كبار العلماء والمفكرين ورجال الدين .. من قرية سلام ينتمى زميلنا الصحفى بالجمهورية نظير جيد المعروف حاليا باسم الأنبا شنودة الثالث بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ، ومن بنى عدى الشيخ حسنين مخلوف مفتى الديار المصرية ، ومن قرية باقور الشيخ أحمد حسن الباقورى أول وزير أوقاف فى عهد ثورة يوليو .. والباقورى لم يكن مجرد رجل دين بل كان مناضل وطنى يخطب من فوق المنابر منددا بالمتعاونين مع الاستعمار الانجليزى .. وكانت النتيجة أنه تم اعتقاله فى معتقل ماقوسة بالمنيا .. وهناك تعرف على نزيل آخر هو الضابط أنور السادات .. اتفق مع السادات على الهروب من المعتقل.. نجح السادات الضابط المدرب فى الهروب واختبأ بعض الوقت فى ديروط.. أما بلدياتنا الباقورى فظل فى المعتقل حتى أفرج عنه سنة 1949 وعين وكيلا لمعهد أسيوط الدينى وفى عام 1953 عين وزيرا للأوقاف وقاد تطوير الازهر وساهم فى صياغة العديد من القوانين الاصلاحية التى تكفل للناس كرامتهم منها قانون الوصية الواجبة على سبيل المثال.
الكثير من الأدباء والمفكرين أنجبتهم أسيوط أمثال أفلوطين وابن دقيق العيد ومصطفى لطفى المنفلوطى.. والمنفلوطى حكم عليه بالسجن سنة فى عام 1898 قصيدة هجا فيها الخديوى عباس الثانى.. حاولوا اقناعه بتعديل القصيدة مقابل العفو عنه لكنه رفض وقضى فى السجن 6 شهور.. وأفرج عنه بعدما قام أمير الشعراء بتعديل القصيدة

هناك واقعة نادرة أعتقد انها لا تحدث الا فى أسيوط وانها تعلن لأول مرة .. خط الصعيد ورئيس مجلس النواب مدفونان متجاورين فى مقبرة واحدة فى قرية درنكة .. والحكاية أنه بعد مقتل الخط وفى ظل الحصار الأمنى حاول البعض التمثيل بالجثة لكن تدخل حامد جودة رئيس مجلس النواب احتراما للكرامة الانسانية وطلب دفن الخط فى مدفنه الخاص بقرية درنكة .. بعد سنوات .. توفى جودة ودفن الى جوار الخط.
من أسيوط أيضا المناضل الزاهد سينوت حنا باشا الذى فدى زعيم الوفد مصطفى النحاس بحياته اثناء محاولة جرت لاغتياله فى المنصورة سنة 1930، وشاعر النيل حافظ ابراهيم الذى ولد فى دهبية على نيل ديروط وقت كان والده يعمل مهندسا للرى ، والكتاب كمال الملاخ ولويس جريس وأحمد بهاء الدين والأديب محمود البدوى ابن قرية الأكراد وشاعر الكوخ محمود حسن اسماعيل ابن النخيلة، وابن ديروط الشريف محمد مستجاب الله يرحمه
ساهم أبناء أسيوط فى مختلف مجالات التراث الانسانى ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الفقيه الدستورى الدكتور أحمد كمال أبوالمجد والمهندس العالمى أحمد محرم وعالم الجيولوجيا الدكتور محمد محمود ابراهيم صاحب موسوعة اعجاز القرآن فى علم طبقات الأرض ونظرية وجود الفحم الحجرى فى مصر وافريقيا والذى اكتشفه بعد ذلك تلميذه درويش الفار فى جبل المغارة بسيناء وكان هذا الكشف ايذانا بقيام صناعة الحديد والصلب فى مصر.
قدمت أسيوط أحمد باشا قرشى كنموذج لرجال الأعمال الذين نحتاجهم اليوم.. لم تشغله ثروته عن هموم بلده وقاد الهجوم على القطار الانجليزى خلال ثورة 1919 وأفلت بمعجزة من حكم بالاعدام.. وبذل أمواله فى بناء مدينة ديروط مساكن ومدارس ومجمع للمحاكم ودار سينما وكوبرى على ترعة الابراهيمية ليس بهدف الاستثمار والبيزنيس لكن لخدمة أهله وناسه وبلده.
الحقيقة ان قراءة التاريخ تعلمنا ان الذين يمجدهم التاريخ هم أصحاب المواقف والعطاء.. لا يسأل التاريخ عن الأكثر ثروة ولا الأعتى نفوذا .. فاما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض.
لكن المؤسف أن معظم هؤلاء الذين ولدوا ونشأوا على تراب أسيوط .. ماتوا ودفنوا بعيدا عنها .. لأنهم اضطروا للترحال سعيا وراء العلم والعمل .. وهو الأمر الذى لازال يجرى حتى الآن .. هجرة داخلية نرجو أن تنجح مشروعات تنمية الصعيد فى جعلها تتوقف وان تتحول الى هجرة مرتدة ويعود ابناء اسيوط الى جذورهم.

ليست هناك تعليقات: