قراءة فى مشروع الدستور المصرى الجديد



حضر العسكر وغابت الدولة الدينية.. مطلوب ضبط الفلسفة والصياغة


اكثر ما يحتاج اليه مشروع الدستور قبل اقراره هو روح فلسفية أدبية وشعرية تنسق مواده وتنفخ فيها بعض من حيوية مرغوبة ليكون الدستور وثيقة شعبية لا كتالوج أو كراسة لوغاريتمات
يتضمن مشروع الدستور الكثير من الجوانب الايجابية الكفيلة فى حدها الأدنى بطمئنة الناس من مخاوف الدولة الدينية بل ان بعضها يعبر عن الواقع الثورى للمرحلة كالنص على احترام الكرامة الانسانية، وانعكست حقبة الخوف والاعتقالات على نصوصه فقيدت اجراءات الضبط والطوارىء
لكن لازال المشروع فيما يبدو من قراءته الاولية يعانى من ضغوط العسكر

 فظهرت فى مواده  التنفيذ العملى لما يعرف بوثيقة السلمى فالمادة 196 من المشروع تجعل مناقشة ميزانية القوات المسلحة امام مجلس الدفاع الوطنى بعيدا عن البرلمان الذى تعرض عليه الميزانية رقم واحد ضمن الموازنة العامة للدولة، وتشوب هذه المادة تشوش فى الفكر والصياغة مثل مواد أخرى كثيرة تجعل هناك تمييزا لصالح فروع  الطيران والبحرية والدفاع الجوى دون أخرى ليس لها حق التمثيل فى المجلس مثل المشاة والمدرعات وغيرها، ثم ان المشروع يكرس فكرة الوزير التكنوقراط وانعزال القوات المسلحة بالنص على ان يكون وزير الدفاع هو القائد العام ومن بين الضباط كما يكرس التجنيد الاجبارى رغم تناقضه مع تشكيل الجيوش الحديثة التى تعتمد على اسلحة تكنولوجية عالية تتطلب سنوات لاستيعابها غير ان فكرة الاخذ بالتكنولوجيا غائبة فى مشروع الدستور الذى ينص على رعاية الصناعات الحرفية "مادة 20" وتجاهل اى التزام بالتطوير الصناعى
يجعل مشروع الدستور شيخ الأزهر غير قابل للعزل أى لا يسأل عما يفعل حتى أمام هيئة كبار العلماء التى يتضمنها فى وضع غريب يتجاوز الطبيعة الانسانية وحقيقة الا كهنوت فى الاسلام رغم ان المشروع يتضمن آلية لاختيار رئيس جديد لأى من غرفتى البرلمان قبل اكتمال مدته بطلب من ثلث الأعضاء
مطلب اعادة ضبط صياغة بعض المواد يتجسد فى المادة 36 من مشروع الدستور حيث تستثنى حرمة المنزل فى حالات الخطر!! تعبير فضفاض يفتح أبواب جهنم وكذلك المادة 167 التى تتكون من 5 كلمات فقط: يصدر رئيس الوزراء لوائح الضبط.. وليس واضحا المقصود هل ضبط الاطارات أم ضبط النفس!
الغريب ان مشروع الدستور يجعل نواب الوزراء مسئولين امام البرلمان! فأين ذهب مبدأ المسئولية على قدر السلطة؟
ويعطى المشروع دور خاص لرئيسى محكمتى استئناف القاهرة والاسكندرية فيما يبدو كأنه استمرار للتمييز ضد الصعايدة والاقاليم! أما المادة الحمقاء فهى المادة 169 ففى محاولة لفرض النزاهة تضع الدولة مديرا اقتصاديا للاستثمارات الخاصة بكبار المسئولين خلال توليهم للسلطة!
يضم مشروع الدستور 231 مادة اساسية وانتقالية ومن بين ما يمكن ان تتضمنه من انتقادات المادة 171 التى تحدد اختصاصات الحكومة فتجعلها مجرد حكومة تصريف اعمال فلا حديث عن رؤية شاملة او خطة استراتيجية، والمادة 189 تجعل للسلطة التنفيذية الوصاية على المجالس المحلية المنتخبة باعطائها الحق فى منع ما تراه اضرار بالصالح العام
يجعل المشروع الدستور المصرى فى مصاف أكثر الدساتير جمودا بتقييد تعديله شكلا وموضوعا ويعيد نظام الوقف ويجعل له هيئة عليا لادارته كما ينتج مؤسسات جديدة مثل المجلس الوطنى للاعلام والهيئة العليا للتراث والمفوضية الوطنية للانتخابات والمجلس الاقتصادى والاجتماعى بديلا عن المجالس القومية المتخصصة كما ينشى مفوضية وطنية لمكافحة الفساد كهيئة مهيمنة على الأجهزة الرقابية المختصة

ليست هناك تعليقات: