التنمية فى الصعيد.. رؤية مفقودة


السياسيون أضاعوا الحلم وعمقوا الأزمات وأهدروا الموارد
بعد أيام.. يمر عام على صدور القرار الجمهورى بانشاء مشروع الهضبة الغربية بأسيوط دون وضع لبنة واحدة فى التنفيذ ولا حتى فكرة.. الناس تختنق لكن الحكومة ثقلت آذانها فلم تعد تسمع الا لمن يطرق أبوابها فيما تعتبرها احتجاجات فئوية مرذولة! ولازالت الرؤية مفقودة للتنمية الشاملة وسط اتهامات بان السياسيين اضاعوا الحلم سواء نتيجة للتآمر أو قلة الكفاءة.. وعمقوا الأزمات وأهدروا موارد كان يمكن أن تدر المليارات للخزانة العامة فضلا عن عشرات العناصر الداعمة للنهضة
يقول الحكيم ان الحلم جزء من الحل.. والحلم الاسيوطى تشكل عبر سنوات من المعاناة والتدهور عصف بعاصمة الصعيد التى انطلق منها جيش محمد على حتى أبواب أوربا الى مقدمة المحافظات الأكثر فقرا.. والحلم المستعصى بسيط.. مجرد حياة كريمة.. لكن الكرامة لا تتحقق الا بالحرية وتلك تتطلب الخروج من دائرة الفقر وتأمين المسكن والعمل ولقمة العيش
شارك الشعب فى تشكيل حلمه سياسيون تعاقبوا على منصب المحافظ بعضهم عمل كموظف ومر طيفا لم يشعر به الناس وكانت حقبته عمر ضائع، وآخرون تركوا بصمة عاشت بعدهم لعقود تحقق المأثور الصعيدى ان "السيرة أطول من العمر" وكشفوا جوانب وأساليب ومشروعات أصبحت تشكل الرؤية الشاملة للتنمية

فى مقدمة هؤلاء اللواء محمد عبدالحليم موسى.. شيخ العرب الذى وصل أسيوط بينما كانت مئات الوحدات من الاسكان الشعبى والمتوسط كاملة التشطيب مهجورة بسبب قطع غيار بسيطة فى شبكة الصرف الصحى.. روع موسى انه على بعد أمتار من تلك الشقق الخالية يوجد آلاف المواطنين يعيشون فى عشش الصفيح على جانب ما أصبح "طريق أسيوط الدائرى الآن" قال انه عانى شهورا من شبح التشرد بعد الافراج عنه من السجن الحربى الذى دخله سجينا سياسيا فى قضية كمشيش وكان وقتها ضابط شرطة برتبة الرائد.. ولم تمض ايام على وجود موسى فى اسيوط الا وانتهت مشكلة الصرف الصحى للعمارات وتم توزيعها على المستحقين وخلال شهور ظهرت لأول مرة لافتة شقق للايجار بعدما نجح موسى فى احداث طفرة فى مجال الاسكان وبلغ حجم الانجاز اليومى 15 شقة معتمدا على اسلوب الطرح المباشر بالعمارة الواحدة على صغار المقاولين دون تأمين مع تخفيض التكلفة الى النصف بخروجه من فخ شركات المقاولات الكبرى التى تحصل على ارباحها وتعطى المشروع فى النهاية من الباطن لنفس المقاول الصغير
وجاء بعده اللواء حسن الألفى فعاودت أزمة الاسكان الظهور بعدما نفض طريقة شيخ العرب التى انتقدها الجهاز المركزى للمحاسبات لكن الالفى رغم الانتقادات الواسعة التى واجهته كان صاحب رؤية.. هى انشاء النافورات فى الميادين.. وفى وقت كانت جرائم الارهاب تضرب كل شبر فى اسيوط أنشأ الالفى 6 نافورات حتى أطلق عليه الناس "حسن نافورة".. كان الألفى ينشر نافوراته اعتقادا انها تخفف من حدة المشاعر المتطرفة وتلين القلوب القاسية.. أهى رؤية والسلام!
أما اللواء سميح السعيد وكان ضابط سابق فى المخابرات فكان المحافظ الوحيد الذى لقى ربه أثناء عمله فى أسيوط.. بعد جهد غير عادى بذله الرجل الذى عاصر كارثة السيول وحريق درنكة وما تبعها من جهود اعادة اعمار عشرات القرى المنكوبة وبناء آلاف المنازل لمن تهدمت بيوتهم فى الكارثة.. بذل سميح السعيد كل نبضة قلب وقطرة من دمه لانجاز هذه المهمة التى اخذها على عاتقه وانتزعها من قيادات لا تنقصها البلادة ملوحا بان الارهاب المنطلق من اسيوط مزلزلا استقرار العرش انما يتغذى على فقر الناس ومتاعبهم
ثم أمسك الدكتور رجائى الطحلاوى استاذ الجيولوجيا بصولجان الحكم.. عالم يداعب خياله حلم الفارابى وتوماس مور فى تحقيق "اليوتوبيا" أو المدينة الفاضلة.. اصطدم قبل ان يبدأ بقانون الادارة المحلية.. قال الطحلاوى انه تلقى قرار تعيينه بينما كان فى شقته بالقاهرة وانه نزل من فوره قبل ان يحلف اليمين يتمشى حتى سور الأزبكية حيث اشترى كتاب عن هذا القانون وقرر الا يعمل الا بما يمنحه له من صلاحيات فلم يجد شيئاً! يقول أن الاعتقاد بان المحافظ هو رئيس الجمهورية فى محافظته مجرد شعار والحقيقة انه مثل ملكة بريطانيا يملك ولا يحكم! وبقى الطحلاوى وفيا للقانون لكنه سعى أن يعيش الناس فى بيئة نظيفة وفعل ما جعله مثار للتندر من البعض وقالوا ان المحافظ يطارد البط والوز فى الشوارع بسبب حملته لازالة العشش من اسطح المنازل ومن البلكونات ومطاردة الباعة الجائلين وازالة التعديات على الأراضى واغلاق محلات الأغذية التى لا توفر الشروط الصحية.. واضطر الطحلاوى تحت الضغوط الى التراجع عن بعض قراراته التى كشفت بعد ذلك انه كان سابق عصره مثل منع ذبح الدواجن والطيور فى المحال قبل سنوات من ظهور انفلونزا الطيور.. كان الطحلاوى يتطلع لتحقيق الاستثمار الأمثل للمحاجر والثروات المعدنية المنتشرة فى جبال الصعيد وساهم فى وضع مشروع قانون موحد للثروة المعدنية لكن لا القانون رأى النور ولا تحقق كذلك حلم استثمار ثروات الطبيعة وخيراتها التى منحها الله للمصريين مع حكومات متعاقبة تحول الذهب فى ايديها الى تراب
تطلعات مشروعة
وتطورت التطلعات للتنمية فى أسيوط على يد اللواء نبيل العزبى محافظ أسيوط الذى أصبح أهالى أسيوط يتمنون عودته حتى الذين اختلفوا معه.. فالعزبى لم يحدث فقط طفرة جمالية فى شوارع أسيوط وميادينها لكنه نقل هذه الجهود لأول مرة خارج عاصمة الاقليم الى المراكز وبعض القرى ودخل الى مناطق شعبية وحوارى وأزقة.. كان يتابع التنفيذ بنفسه طوال النهار والليل دون مبالغة فى الشوارع حتى أن شكل أسيوط كان يتبدل من شهر الى آخر.. وكأن الله يميد له الأرض كان العزبى يجد فى الشوارع ما يجعلها تزداد اتساعاً! بما يملكه من تذوق فنى فى عهد غابت فيه القواعد وضعفت المؤسسات فلم يبق الا الأمل فى السمات الشخصية للحاكم وكان نجما فيها بحق.. ومع ذلك فان المضمون كان أكثر قيمة وأبعد عمقا فقد اكتشف العزبى مشروع محور الهضبة الغربية وقطع شوطا طويلا فى انهاء الدراسات الفنية الخاصة بالمشروع الذى يفتح آفاق لا متناهية للتنمية الحقيقية لأسيوط ووسط الصعيد يمتد تأثيرها الى القاهرة بتوفيره مساحة تزيد عن 10 اضعاف مدينة أسيوط الحالية المأزومة بالمشاكل والمصدرة للعشوائيات الى العاصمة لاطلاق مشروعات اسكان وصناعات.. ولازال المشروع معطلا! كان العزبى يريد تطهير المدينة من العشوائيات ولكن بعد توفير البديل لنقل الورش الى منطقة اختارها فى عرب المدابغ لتكون قريبة لا تثقل الكاهل ولا تزيد المعاناة.. وانطلقت رؤيته الى تعمير "درب الأربعين" ذلك الطريق الفرعونى الذى يبدأ من أسيوط وينتهى بالفاشر فى غرب السودان الذى قطعته قوافل مصر القديمة الى بلاد بونت والصومال والعمق الأفريقى تنقل الحضارة والتجارة.. كان العزبى يرى اعادة هذا الطريق الى الحياة ليرتبط من خلال الهضبة الغربية بطريق أسيوط ـ سفاجا ناقلا حركة العمران عبر الصحراء الواسعة من الجنوب الى الشرق حيث موانى البحر الأحمر ومنها الى جنوب شرق آسيا حيث نمور الاقتصاد فى العالم النامى الذى اجتهد فى مغازلته للاستثمار فى أسيوط باقامة مصانع للسيارات من خلال الوكلاء المحليين لكبرى الشركات
وأطلقت ثورة يناير المزيد من أحلام الشعب لكن أحلام السياسيين تضيق!




ليست هناك تعليقات: